استشهد المواطن أحمد صلاح وطفلته إيلا، البالغة من العمر ثلاث سنوات، مساء الجمعة، جراء قصف إسرائيلي استهدف تجمعًا للمدنيين في شارع داخلي بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، بينما كانوا ينتظرون دورهم لشحن هواتفهم المحمولة في ظل الانقطاع الكامل للكهرباء بالقطاع منذ أشهر.
وأكدت مصادر طبية في مستشفى الشفاء أن الضحيتين وصلا جثتين هامدتين، مشيرة إلى أن القصف استهدف تجمعًا مدنيًا لا يحتوي على أي منشآت عسكرية أو أهداف أمنية، ما أدى إلى وقوع شهداء وجرحى بينهم أطفال ونساء.
لم يكن أحمد صلاح يتخيّل أن خطواته نحو نقطة شحن الهواتف في مخيم الشاطئ ستكون خطواته الأخيرة، ولا أن ابنته إيلا ذات الأعوام الثلاثة ستكون برفقته في طريق الخلود. في مساء دامٍ، قصف الطيران الحربي الإسرائيلي تجمعًا للمدنيين الذين كانوا ينتظرون دورهم لشحن هواتفهم المحمولة في إحدى الساحات الداخلية للمخيم، وهي واحدة من نقاط قليلة يستخدمها الأهالي للتواصل مع العالم الخارجي في ظل انقطاع شامل للكهرباء منذ شهور. لم يكن المكان هدفًا عسكريًا، ولم يكن يضم أي مظاهر مسلحة، بل كان مجرد ساحة مظلمة يلتمس فيها الناس بعض الضوء.
في لحظة سقوط الصاروخ، كان أحمد يحتضن طفلته الصغيرة إيلا، ينتظران معًا أن يشتغل الهاتف كي يطمئنا قلب والدتها. لكن الصاروخ كان أسرع من الاتصال وأقسى من الانتظار. لم يصل أحمد إلى وجهته، ولم تعد إيلا إلى حضن أمها. وصلت جثتاهما إلى مستشفى الشفاء، حيث غُطّي الجسدان الأبيضَين بلحاف الشهداء، وكان جسد الأب يحتضن طفلته في مشهد يشبه عناقًا أبدِيًا لا تفصله قنبلة ولا توقفه جريمة.
لم تكن إيلا تعرف الكثير عن الحرب، لكنها كانت تخاف من دوي الطائرات، وتطلب من والدها كل ليلة أن "يطفئ السماء"، وحين اشتدّ القصف مساء ذلك اليوم، اختارت أن تبقى لصيقة به، كما اعتادت أن تفعل في كل لحظة خوف. أما أحمد، فكان الناجي الوحيد من مجزرة سابقة، حين قُتل أربعة من إخوته في قصف على منزل العائلة قبل الهدنة الأخيرة في يناير، فبقي وحده يحمل الوجع والمسؤولية، ويكافح من أجل أسرته الصغيرة.
في ساحة العزاء، وقف الحاج أبو حسن، والد الشهيد، يردد أسماء أبنائه الخمسة واحدًا تلو الآخر، كما لو أنه يعدّ ضلوع قلبه التي تكسّرت. قال بصوت مخنوق بالحزن: "أحمد كان آخر من بقي لي، الآن رحل، واصطحب طفلته معه. لم يتركوا لي شيئًا". كانت الأم أكثر صبرًا وثباتًا، رغم الحزن الذي لم يغادر ملامحها. قالت بهدوء موجع: "ما عاد في عيني دموع، كلهم راحوا. أحمد كان روحي وسندي، لكنه لحق بإخوته، ونحن نحتسبهم عند الله".
الصورة التي وثقت لحظة استشهادهما انتشرت في كل مكان، ووصلت إلى قلوب الآلاف، ليس فقط لأنها موجعة، بل لأنها صادقة، وتلخص معاناة آلاف العائلات في غزة، التي تُقتل بصمت تحت ركام الحياة. وفي حين ترتفع أرقام الشهداء وتتناثر القصص، تبقى حكاية أحمد وإيلا علامة فارقة في سجل الوجع، لا لأنها استثناء، بل لأنها باتت قاعدة في غزة، حيث يستوي الأطفال والكبار في الاستهداف، وحيث يغدو العناق الأخير عنوانًا للرحيل.
رغم الجراح، بقيت كلمات الأم تُلخّص المشهد: "ما ضاعوا، هم السابقون ونحن اللاحقون. اللهم اجمعنا بهم في الجنة، حيث لا صواريخ ولا خوف ولا فراق". وفي هذا الوطن المشتعل، تواصل غزة رواية قصصها، التي قد تموت على الورق، لكنها لا تموت في الذاكرة.
