فجّرت قضية عدم صرف رواتب 1612 أسيرًا فلسطينيًا موجة استنكار وغضب عارمين في الشارع الفلسطيني، وسط اتهامات مباشرة للسلطة الفلسطينية بانتهاج سياسات تمسّ بحقوق الأسرى الأساسية، وتتناقض مع القيم الوطنية والنضالية التي شكّلت العمود الفقري للهوية الفلسطينية لعقود.
وتزامنت هذه الخطوة المثيرة للجدل مع تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات الإسرائيلية داخل سجون الاحتلال، حيث يتعرض الأسرى لعمليات تعذيب ممنهجة وتنكيل، يقودها وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي حوّل إدارة مصلحة السجون إلى ساحة قمعية مفتوحة ضد الأسرى الفلسطينيين.
هيئة الأسرى: الرواتب أُرسلت شاملة للمالية
في هذا السياق، قال رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، رائد أبو الحمص، إن الهيئة تتابع القضية باهتمام بالغ، مؤكّدًا أن "كشف الرواتب الذي أُرسل من الهيئة إلى وزارة المالية كان شاملاً لهذه الأسماء"، في إشارة إلى أن قرار الحجب لم يصدر من الهيئة، بل من جهات أخرى داخل السلطة.
قدورة فارس: قرار يسيء لتاريخنا النضالي
من جهته، اعتبر رئيس نادي الأسير السابق قدورة فارس، في حديث لـ"شبكة قدس"، أن عدم صرف رواتب 1612 أسيرًا يشكل "تجاوزًا خطيرًا للإرث الكفاحي للشعب الفلسطيني"، مؤكّدًا أن القرار "لا ينسجم مع قيم الحركة الوطنية" التي التزمت بدعم الأسرى والشهداء والجرحى على مدار أكثر من ستة عقود.
وقال فارس:
"أن تعيش عائلات الشهداء والأسرى في فقر، أمر معيب على المستوى الوطني، وعلى الجميع تحمّل المسؤولية، بما في ذلك الفصائل الفلسطينية التي يجب أن تتحرك فورًا لوقف هذه المهزلة".
البرغوثي: لا تمييز في حقوق الأسرى
بدوره، شدد الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، د. مصطفى البرغوثي، على أن الأسرى هم "أكثر من ضحى إلى جانب الشهداء"، مطالبًا بصرف مخصصاتهم "كاملة وبدون تمييز أو نقصان"، باعتبارها حقوقًا أصيلة لا يجوز العبث بها تحت أي ظرف سياسي أو أمني.
الجبهة الشعبية: سياسة مهينة ورضوخ لشروط الاحتلال
وفي بيان شديد اللهجة، حمّلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين السلطة الفلسطينية ومؤسسة "تمكين" المسؤولية الكاملة عمّا وصفته بـ"السياسة المجحفة والمهينة بحق الأسرى".
وأكدت الجبهة أن قطع الرواتب "جريمة وطنية وطعنة في خاصرة النضال الفلسطيني"، منددةً بتحويل القضية إلى ملف إغاثي يقاس "بعدد السعرات الحرارية كما ورد في استمارات الذل والإذلال"، على حد وصفها.
وشددت على أن هذه السياسات تمثل رضوخًا صريحًا للشروط الإسرائيلية والأميركية، داعية الشعب الفلسطيني إلى "رفع الصوت عاليًا رفضًا لهذا النهج الخطير"، ومؤكدة أن الأسرى هم "رمز للصمود، لا عبء اجتماعي يُراد التخلص منه".
جمعية واعد: تمكين تمارس الإهانة
في السياق، أصدرت جمعية واعد للأسرى والمحررين بيانًا قالت فيه إنها ترفض التعامل مع مؤسسة "تمكين"، ووصفتها بأنها "أداة تمارس الإهانة بحق عوائل الشهداء والجرحى والأسرى"، مطالبةً بوقف العبث بكرامتهم وحقوقهم الوطنية.
وأشارت الجمعية إلى أن هذا النهج يعكس تفريطًا بالهوية الوطنية، وتحويلًا لقضية الأسرى إلى ملف إداري بعيد عن عمقها النضالي.
حركة الأحرار: القرار مهين وغير مقبول
أما حركة الأحرار الفلسطينية، فوصفت في بيانها القرار بأنه "سقوط أخلاقي جديد للسلطة"، مشيرة إلى أنه جاء بناءً على توصيات أمنية داخلية تفتقر إلى الحد الأدنى من الحس الوطني.
وجاء في البيان:
"في ظل الإبادة التي يتعرض لها شعبنا، وتحت الانتهاكات اليومية بحق الحركة الأسيرة، تطل السلطة الفلسطينية بهذا القرار المهين، الذي يمثل انسياقًا كاملاً خلف رغبات الاحتلال".
وأكدت الحركة أن "ملف الأسرى هو ثابت وطني مقدس، وليس سلعة للمساومة أو ورقة ضغط سياسي"، داعية إلى موقف وطني جامع يُنهي هذا القرار فورًا.
أزمة تُهدد بتفكيك أحد أبرز أعمدة الإجماع الفلسطيني
ويُعد ملف الأسرى أحد أكثر القضايا التي شكّلت إجماعًا فلسطينيًا على مدار العقود الماضية، سواء على المستوى الشعبي أو الفصائلي، ما يجعل المساس به بمثابة مواجهة مفتوحة مع قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني.
وفي ظل هذا التصعيد، يتوقع مراقبون أن تتصاعد الضغوط على السلطة الفلسطينية للتراجع عن القرار فورًا، تجنبًا لانفجار شعبي قد يُعيد ترتيب المشهد السياسي الداخلي، ويؤجّج حالة الغضب في وقت حساس تمر فيه القضية الفلسطينية بأشد أزماتها.
